أبو حامد الغزالي
253
تهافت الفلاسفة
والمرئيات الدقيقة ، بل من ذاق الحلاوة الشديدة ، لا يحس بعدها بحلاوة دونها . والأمر في القوة العقلية بالعكس ، فإن إدامتها للنظر إلى المعقولات ، لا يتعبها ودرك الضروريات الجلية يقويها ، على درك النظريات الخفية ، ولا يضعفها ، وإن عرض لها في بعض الأوقات كلال ، فذلك لاستعمالها القوة الخيالية ، واستعانتها بها ، فتضعف آلة القوة الخيالية ، فلا تخدم العقل . وهذا ، من الطراز السابق ، فإنا نقول : لا يبعد أن تختلف الحواس الجسمانية ، في هذه الأمور ، فليس ما يثبت منها للبعض ، يجب أن يثبت للآخر . بل لا يبعد أن تتفاوت الأجسام ، فيكون منها ما يضعفها نوع من الحركة ، ومنها ما يقويها نوع من الحركة ولا يوهنها ، وإن كان يؤثر فيها ، فيكون ثمّ سبب يجدد قوتها ، بحيث لا تحس بالأثر فيها . فكل هذا ممكن ، إذ الحكم الثابت لبعض الأشياء ، ليس يلزم أن يثبت للكل . دليل ثامن قالوا : أجزاء البدن كلها تضعف قواها بعد منتهى النشوء ، والوقوف عند الأربعين سنة فما بعدها ، فيضعف البصر والسمع وسائر القوى ، والقوة العقلية في أكثر الأمور « 1 » إنما تقوى بعد ذلك . ولا يلزم على هذا تعذر النظر في المعقولات عند حلول المرض في البدن ، وعند الحرف « 2 » بسبب الشيخوخة ، فإنه مهما بان أنه يتقوى مع ضعف البدن في بعض الأحوال ، فقد بان قوامه بنفسه ، فتعطله عند تعطل البدن ، لا يوجب
--> ( 1 ) يريد أن يقول « في أغلب الأحيان » . ( 2 ) هو فساد العقل من الكبر .